
محاولة لاستكشاف الذات
قراءة في " تماما كما كنت أظن "
للشاعر محمد خضر الغامدي
إيهاب خليفة *
عن دار بدايات القرن صدر ديوان جديد للشاعر محمد خضر يتضمن سبعة وعشرين نصا متوهجا بالدلالات *، ويسلط بقعة ضوء على العلاقة الجدلية بين الوجود والموجودات ، الوجود في تجريده والموجود من حيث هو تغير يترى ، حيث يحاول فض الاشتباك بين الخلط العارم بين جوهر الوجود و بين الحالة الظاهرة والدائمة التغيّر للحقيقة غير المتغيّرة للوجود ! تبدأ نصوص الديوان بتفتح افتراضي للوعي ، فالطفولة وتفتح الحواس لقراءة العالم يمثلان الحجر الأول لتنامي الوعي بالذات التي تتلبسها طقوس عشائرية في ذلك الميلاد المحفوف بالمخاطر ، الميلاد الجسدي يسبق الوعي الحقيقي بجوهر الحياة وماهية الوجود ، غير أن المدهش أن الذات تولد بوعي ضدي يجابه رتابة العشيرة ، يجابهها بعينين مدهوشتين تشي بالذات المغايرة ، و قد عبرت عن ذلك المعنى قصيدة " ذهول " التي تتصدر الديوان :
"
ولدت عام 1976
في بلدة أقصى الجنوب
نفس العام الذي بدأ فيه البث التلفزيوني في
بلدتنا
العام ال انتهت به حروب صغيرة
واندلعت أخرى
…
وانا مذهول من كل شيء "
إنه ميلاد ليس كما رأته العائلة /الأعراف السائدة / العشيرة / الآخر / الجاهزية التي تنمط كل شيء ، ففي الوقت الذي تظلل السعادة العائلة يتواشج مع ميلاد الشاعر ميلاد منبر إعلامي معبر عن النظام ، وكذا عجز الإنسان عن تفادي تراجيديا المصائر بسبب نشوب حرب ! ، هذا ميلاد فارق إذن يتعذب هذا الوعي المكتمل للشاعر بين اللغة المعلنة والواقع المخزي ، بين رسالة يبثها الهواء قد تكون مخاتلة والمصائر المحتدمة علاوة على اسم يسبق مسماه ، ويجره لِهُوية ماضوية قد يكون فيها مصادرة على المطلوب ، ثمة ماهية تبحث عنها الذات الشاعرة ، هوية فردية تؤسسها هي بنفسها لنفسها ، لكنها تتعثر بين المسافات الشاسعة التي تجعل المفهوم والماصدق غريبين عن بعضهما ،إن الشاعر يومئ إلى بحث مبدئي عن جوهره :
"
قالت واحدة لأمي سموه (بكر )
أو ( جمعة ) أو ( سعد )
وكان صراخي رفضا بحتا
لكن العائلة اجتمعوا في وقت مبكر
ليفسروا روية جدتي
( أريد أن يكون له نفس اسمي )
لذا كان تفسير الحلم
أن يسموني محمدا
ولا زلت منذ ذلك اليوم
مذهولا من كل شيء .
الذات هنا تمتلك رهافة تجاه أحداث صغرى تكاد لا تستوقف أحدا ، وتعتبر تلك الأحداث أحداثا مفصلية ، تعيد ترجمة الذات ، لتتوافق مع هواجسها وطموحاتها ، مع خساراتها وانتصارتها العابرة ، حتى إن حدثا ضئيلا كترك نافذة مفتوحة ذات صباح يقلب عالم الشاعر رأسا على عقب !! ، ففي " صورة طبق الأصل " لا يرسم الشاعر بورتريها لتقاسيم ذاته كما يبصرها ، بل يستعيض عن ذلك برسم صورة عابرة لشقته المتوحدة معه في وحدته وضجره ، بل مع ثلاجة جانبية يؤاخي ملمسها في آخر الصيف ليجعله إطارا لصورة مختارة ، يصدم بها حواسه كلما وقعت عيناه على بابها ، إنه يريد أن يجعل الصورة – الصورة التي يختارها ، تغذي حواسه وتلهمه غذاء آخر :
أقضي أياما طويلة
وحيدا وبلا ضجر أكيد
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ